خطاب أوباما في وسائل الإعلام العربية والعالمية.. بين الإعجاب والانتقاد

البعض ينتظر قرن الفعل بالقول

عواصم: «الشرق الأوسط»
احتل خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة أول من أمس صدر الصفحات الأولى ومساحات كبيرة في الصفحات الداخلية للصحف العربية والعالمية بينما تفاوتت المواقف والتقييمات للخطاب حسب انتماء كل من هذه الصحف.

الصحافة المصرية

* اشتعلت المنافسة الإعلامية في القاهرة حول خطاب أوباما، أمام مشاهدي للفضائيات وقارئي الصحف، فتنوعت التغطية للبحث عن الجديد، كما تأثرت في أغلبها بآيديولوجية الوسيلة ونمط ملكيتها. خصصت معظم الفضائيات ساعات مفتوحة لنقل الحدث على الهواء، تخللها تعليقات من محللين، وحققت بعضها سبقا على الهواء كنقل برنامج «القاهرة اليوم» بشبكة «أوربت» لحوار مع المرشدة السياحية إيمان عبد الفتاح التي رافقت الرئيس الأميركي داخل مسجد السلطان حسن. وقدمت قناة «دريم» تغطية تفسيرية لما احتواه خطاب أوباما هل هو آمال أم مجرد أوهام.

وفي صحافة القاهرة الصادرة أمس تباينت تغطية الحدث، فركزت الصحف القومية الرسمية كالأهرام والأخبار الجمهورية على لقاء الرئيس مبارك بأوباما أكثر من تركيزها على خطابه للعالم الإسلامي، واستعرضت مباحثات الرئيسين، كما نقلت لقطات مصورة لزيارة أوباما للأهرامات، ومسجد السلطان حسن، إضافة إلى نشر نص الخطاب كاملا.

وركزت تغطية صحيفة «الدستور» الخاصة على سر غياب الرئيس مبارك عن خطاب الجامعة، بينما جاء عنوان صحيفة «المصري اليوم» الخاصة الرئيسي «أوباما المنتظر.. خطاب تصالحي يرضي جميع الأطراف»، واشتملت التغطية على حوار مع داليا مجاهد مستشارة أوباما للشؤون الإسلامية، وتحليل للغة الجسد لدى أوباما في أثناء إلقاء الخطاب ودلالاتها.

وجاءت تغطية جريدة «الشروق الجديد» الخاصة لتضم متابعة الصحافة الأجنبية للحدث، ونقل كواليس زيارة أوباما لقصر القبة وتفاصيل مائدة إفطاره، وتأثير الزيارة على الحياة في القاهرة والمحافظات، ثم قراءتها لتأثير الزيارة على الموقع الإلكتروني للخارجية المصرية والأميركية.

واكتفت الصحافة المعارضة بتغطية مقتضبة، وتحليل الخطاب، فجاء مانشيت الوفد: «أوباما يغازل الجميع في خطابه إلى المسلمين»، ونشرت صورة تقارن طريقة صعود جمال مبارك من جهة وأوباما من جهة أخرى لدَرَج لقصر الرئاسي.

من جانبه، وصف الدكتور سامي عبد العزيز أستاذ الإعلان والعلاقات العامة بجامعة القاهرة والمتحدث الرسمي باسمها في أثناء زيارة أوباما، تعامل الإعلام المصري مع الحدث بالمثالي، مشيرا إلى تسهيلات تقنية عديدة قُدمت لأكثر من 500 مراسل لنقل الحدث مباشرة من داخل قاعة المؤتمرات التي شهدت الخطاب أو عبر المركز الصحافي.

وسائل الإعلام الفلسطينية

* لاقى خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما اهتماما كبيرا في مختلف وسائل الإعلام الفلسطينية، الرسمية والخاصة، رغم تزامنه مع مسألة ثانية، احتلت مساحة واسعة، وهي اشتباكات قلقيلية بين مسلحين من حماس والأجهزة الأمنية الفلسطينية.

وعكست التغطية مواقف الفصائل والأحزاب السياسية من السياسة الأميركية. فبينما بث التلفزيون الفلسطيني الرسمي الخطاب كاملا، امتنع تلفزيون الأقصى التابع لحماس عن بثه، واهتم أكثر بتغطية اشتباكات قلقيلية.

ومثل تلفزيون «الأقصى» فعلت مواقع تابعة لحماس، رغم أنها اختارت من الخطاب، أجزاء يبدو أنها رأت فيها ما يعزز قوة حماس. ونشر موقع «فلسطين الآن»، المحسوب على حماس، مقتطفات من خطاب أوباما، وقال: «إن الرئيس الأميركي أكد أن حماس لديها دعم من الشعب الفلسطيني، لكنه أوضح أن الحركة عليها مسؤوليات للشعب الفلسطيني» دون الإبحار في التفاصيل.

وعلى غير عادتها، بثت وسائل إعلام مسموعة ومرئية خاصة، الخطاب، التي وصفته السلطة بالتاريخي. وأفردت مواقع وكالات الأخبار الفلسطينية مساحة واسعة لتغطيته. ومثلا تقلب العنوان الرئيسي في وكالة «معا» الإخبارية، بين خطاب أوباما وأحداث قلقيلية، فساعة تركز على الخطاب وردود الفعل عليه، وساعة على أحداث قلقيلية، ومثلها تقريبا فعلت معظم المواقع الإلكترونية.

وخرجت الصحف الفلسطينية اليوم بعناوين رئيسية حول خطاب أوباما. وقالت صحيفة «القدس»، في عنوانها الرئيسي: «أميركا لا تعترف بشرعية الاستيطان ولن تدير الظهر لتطلعات الشعب الفلسطيني.. ترحيب فلسطيني وعربي واسع بخطاب أوباما التصالحي مع العالم الإسلامي». ووصفت صحيفة «الأيام»، المحسوبة على السلطة، في عنوانها الرئيسي، الخطاب بـ«التاريخي» وكتبت، «أوباما: وضع الفلسطينيين لا يطاق، وحل الدولتين يخدم مصالح فلسطين وإسرائيل وأميركا والعالم».

أما صحيفة «الحياة» المحسوبة أكثر على السلطة، فتركت العنوان الرئيسي لأحداث قلقيلية ونشرت على الصفحة الأولى خبرا قالت فيه: «أوباما لقد آن الأوان لكي تتوقف هذه المستوطنات ولا نقبل مشروعية استمرارها».

واهتمت وسائل الإعلام الفلسطينية أكثر بتداعيات الخطاب على الساحة السياسية الإسرائيلية.

وترجمت وسائل الإعلام الفلسطينية، كيف أحدث الخطاب إرباكا على الساحة الإسرائيلية وفي مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتطرق الكتاب إلى مستقبل العلاقة بين أميركا وإسرائيل.

واهتمت وسائل الإعلام الفلسطينية أيضا بأن مسلمة محجبة شاركت في كتابة الخطاب لأوباما، وتركت بعض المواقع حرية التعليق للقراء على صورة للرئيس الأميركي، وجاءت التعليقات بين متحمس للتغيير ومن يراه خطابا إنشائيا، لكن من أطرف التعليقات ما قاله أحد القراء من غزة: «والله ما كان ناقص على الرئيس أوباما (أبو حسين) غير انو يحكي بآخر الخطاب جملة أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأنت يا مؤذن أقم الصلاة».

الصحافة الإسرائيلية

* أجمعت الصحف الإسرائيلية الصادرة أمس، على اعتبار خطاب الرئيس أوباما تاريخيا، ولكن ليس فقط بالمفهوم الإيجابي. ورأت فيه بداية تغييرا استراتيجيا في العلاقات بين البلدين.

وكتب ألوف بن في «هآرتس»، إن هناك «انقلابا استراتيجيا في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل. ففي حين كانت إسرائيل في عهد الرئيس جورج بوش شريكا كاملا في الحرب على الإرهاب وفي حين منحت واشنطن لإسرائيل حرية العمل ضد الفلسطينيين وسورية وحزب الله مقابل إخلاء المستوطنات من قطاع غزة، يرسل أوباما حكومة إسرائيل للتربية من جديد على مكانة أخرى أدنى». وكتب أيضا أن على نتنياهو أن يدرك خطأه في فهم سياسة أوباما ويغير تركيبة حكومته ويدخل إليها حزب «كديما» برئاسة تسيبي ليفني حتى ينسجم مع سياسة أوباما.

وكتب أيتان هابر المحرر السياسي في «يديعوت أحرونوت»، مقالا بدا فيه وكأنه يرثي للعلاقات الأميركية الإسرائيلية، وقال ما معناه أن «أوباما مش بتاعنا».

وقسمت الصحيفة خطاب أوباما إلى نوعين: إيجابي وسلبي. وعددت الأمور الإيجابية على النحو التالي: الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية واستنكار التهديد بتدميرها، واستنكار حاد لمن ينكر المحرقة اليهودية ولمن يتبنى الآراء المسبقة ضد اليهود، والإعلان أن عُرَى العلاقات بين إسرائيل وأميركا لا تنفصم، وعدم ذكر موعد محدد لقيام الدولة الفلسطينية ولا خطة تفصيلية للسلام، وذكره خريطة الطريق وضرورة أن يعمل الطرفان على تطبيقها، ولو عدم تطرقه إلى تفكيك المستوطنات، ومطالبته الفلسطينيين بنبذ العنف ومطالبته حماس بالاستجابة لشروط الرباعية الدولية، ودعوة الدول العربية أن تعترف بشرعية إسرائيل ولا تتذرع بالصراع حجة لعدم الاعتراف.

أما الأمور التي اعتبرتها «يديعوت أحرونوت» سلبية فهي: التسوية الوحيدة للصراع هي في إقامة دولتين للشعبين، ومطالبته بوقف كل بناء استيطاني، وتأكيد أن الاستيطان غير شرعي، والضغط على إسرائيل لكي تضع حدا للأزمة الإنسانية في قطاع غزة وتخفيف معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وذكر القدس كمدينة آمنة وثابتة لليهود والمسلمين والمسيحيين، وتفهُّم الادعاءات العربية بأن الولايات المتحدة كانت تغض الطرف عن التسلح الإسرائيلي النووي والعودة إلى مطالبة كل دول المنطقة بالتوقيع على ميثاق عدم نشر السلام النووي، والمساواة بين معاناة الفلسطينيين والمحرقة اليهودية، وهو رمز إلى حق العودة، والمساواة بين النضال الفلسطيني وبين نضال اليهود السود في الولايات المتحدة، والتعامل مع «حماس» كعنصر شرعي والامتناع عن وصفها بتنظيم إرهابي.

وكتب المحلل السياسي بن كاسبيت، أن هذا الخطاب يبرهن على أن «إسرائيل لم تعد ذلك الابن الوحيد المدلل، بل أصبحت ذلك الابن العاقّ غير الشرعي المعزول». ودعا الحكومة إلى التصرف بحكمة ورؤية الجوانب الإيجابية في خطاب أوباما. وكتب سيفر فلوتسكر أن الخطاب كان بمثابة فرض الحقيقة على الأطراف، «فالعرب يعرفون أن الإرهاب فشل وإسرائيل تعرف أن الاحتلال والضم فشلا. والعرب يعرفون أن إسرائيل لن تُمحى عن الخريطة، واليهود يعرفون أن فلسطين ستقوم. ولكنهما كليهما لا يقولان الحقيقة. وأوباما لم يأتِ بالصلح مع الإسلام فحسب، بل جاء بالصلح مع الحقيقية».

الصحف الأردنية

* خرجت الصحف الأردنية الوطنية اليومية بنبرة تفاؤل وتفاؤل الحذر تعليقا على خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة أول من أمس، بينما قللت صحف حزبية من أهميته. ولكن الصحف أجمعت على دعوة أوباما إلى قرن الأقوال بالأفعال.

فقد احتل خطاب أوباما صدر الصفحة الأولى لصحيفة «الرأي» الرسمية تحت عنوان «أوباما يدعو إلى بداية جديدة مع المسلمين». ولم تُخفِ «الرأي» في افتتاحيتها «على أبواب مرحلة جديدة» تفاؤلها بما جاء في الخطاب الذي وصفته بالصريح والواضح والمختلف.

ودعت إلى أن يؤسس الخطاب لمرحلة جديدة يأمل الجميع بأن تكثف الجهود بجدية وفاعلية لدعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وفق حل الدولتين لأنه السبيل الوحيد لإخراج المنطقة من أتون الحروب والأزمات.

أما صحيفة الدستور الأردنية فحملت عنوان «أوباما يخاطب المسلمين بلهجة أميركية جديدة». وأفردت مساحات واسعة للخطاب وردود الأفعال. وتحت عنوان «خطاب أوباما بين النظرية والتطبيق» قالت الدستور في افتتاحيتها إن ما قاله الرئيس أوباما جادّ جدّا.

أما صحيفة «العرب اليوم» المستقلة فقد حملت صفحتها الأولى عنوان «أوباما يعرض مصالحة تاريخية مع المسلمين». وأُفردت نص الخطاب وردود الأفعال وصور للرئيس أوباما في صفحاتها الداخلية.

وكتب رئيس تحرير الصحيفة طاهر العدوان مقالة بعنوان «خطاب أوباما... اختراق في حائط الكراهية» قال فيه: «بشكل عام حقق الرئيس الأميركي في خطابه، من حيث اللغة والمضمون اختراقا كبيرا في حائط الكراهية والعداء لسياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبانتظار ترجمة هذه السياسات إلى مواقف عملية، خاصة تجاه القضية الفلسطينية، فإن مستقبل العلاقات بين أميركا والعرب والمسلمين يعد بمزيد من التطور الإيجابي.

وأضاف: «خطاب باراك أوباما جديد في الشكل والمضمون، لكن يجب ان لا نستبعد فشله في تحقيق السلام، وفشله في تحقيق المصالحة بين الشرق والغرب، فأعداء السلام يحكمون في تل أبيب، كما أن الإرهاب (الذي يتغذى من الاستبداد) يعشعش في كل مكان في انتظار القيام بأعمال تُفرِح قادة إسرائيل، الذين يزعجهم رؤية أي تفاهم بين أميركا وبين العرب».

وأعرب معظم كتاب صحيفة «الغد» التي أفردت صفحات داخلية للمناسبة، عن تفاؤلهم بالخطاب وطالبوا تنفيذ هذه الوعود إلى أفعال على الأرض وبخاصة القضية الفلسطينية.

أما صحيفة «السبيل» الناطقة بلسان الحركة الإسلامية فقد عالجت الخطاب في تقرير على صفحتها الأولى تحت عنوان «أوباما: أميركا ليست في حرب مع الإسلام وعلاقاتها القوية مع (إسرائيل) لا يمكن زعزعتها». وأفردت مساحات كبيرة في صفحاتها الداخلية لردود الأفعال للحركة الإسلامية في الأردن والإخوان المسلمين في مصر وردود الفعل الإيرانية وحماس وحزب الله وغيرها من الحركات المناهضة للسياسة الأميركية.

الصحافة الأميركية

* قالت الصحف الأميركية إن الرئيس أوباما استعمل «لغة جديدة» في مخاطبة المسلمين، ولاحظت جميعا أن أوباما أسقط تعبير «إرهاب وإرهابيين» من قاموسه السياسي. الصحيفة الوحيدة التي اختارت عنوانا مغايرا كانت هي صحيفة «واشنطن تايمز» ذات التوجه اليميني، التي قالت في عنوان رئيسي: «أوباما يدعو إلى جهد جديد من أجل حل الدولتين» في حين كان العنوان الآخر يقول «كلمات الرئيس تثير قلق مؤيدي إسرائيل». صحيفة «يوإس إيه توداي» قالت إن مسلمين في العالم العربي وداخل الولايات المتحدة ممتنون لأن الرئيس أوباما سافر إلى مصر وخاطب من هناك العالم الإسلامي، رغم أن بعضهم شعروا بخيبة أمل لأن خطابه لم يكن شاملا حول النزاعات خصوصا النزاع العربي الإسرائيلي». أما صحيفة «واشنطن بوست» فاختارت أن تتماشى في تغطية شاملة خصصت لها صفحتين إضافة إلى المانشيت الرئيسي في الصفحة الأولى، مع الفكرة الرسمية للخطاب التي اعتبرته بمثابة «بداية جيدة». وقالت الصحيفة: «أطلق الرئيس أوباما نداء إلى العالم الإسلامي من أجل بداية جديدة مع الولايات المتحدة، وأقر بحدوث أخطاء تاريخية ارتُكبت على مر القرون باسم الثقافة والدين». وأشارت إلى أن الخطاب «ألهب مشاعر مسلمين كثيرين في الشرق الأوسط».

وقالت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» إن خطاب أوباما كان بمثابة دعوة كاسحة لبداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. وأضافت: «قابل مسلمون في مختلف الأقطار الخطاب باعتباره ينطوي على نزعة تصالحية تهدف إلى أن تضع جانبا الشكوك والمضي قدما في معالجة مشاكل تشمل الإرهاب والنزاع العربي الإسرائيلي». ولوحظ أن معظم المجلات اختارت الصورة الرئيسية لمسلمين يستمعون إلى الخطاب، حيث اختارت «واشنطن بوست» أسرة هندية تتكون من 11 شخصا يستمعون إلى الخطاب من قناة تلفزيونية، في حين اختارت «نيويورك تايمز» صورة فلسطيني يجلس على كرسي في صالون حلاقة وهو يتابع الخطاب عبر شاشة تلفزيون في مدينة القدس.

الصحافة الباكستانية

* أظهرت وسائل الإعلام الإلكترونية والمطبوعة داخل باكستان خطاب أوباما من القاهرة بصورة إيجابية. وأكدت معظم الصحف الباكستانية في تغطيتها للخطاب على فكرة أن الرئيس الأميركي مدّ يده لإقامة صداقة مع العالم الإسلامي. غير أن بعض الصحف أعربت عن أسفها لعدم تطرق أوباما إلى قضية كشمير.

وكانت وسائل الإعلام قد ذكرت في عناوينها الرئيسة أمس تصريحا سابقا لأوباما حثّ فيه الحكومة الهندية على بذل مساع حثيثة لحل النزاع الكشميري مع باكستان.

وقال عنوان رئيسي في الصفحة الأولى لصحيفة ناطقة باللغة الأردية: «في الواقع، من الغريب أن لا يذكر الرئيس أوباما كلمة واحدة عن قضية كشمير خلال خطابه». ورجع معظم الصحف ذلك إلى فشل السياسة الخارجية الباكستانية. وكانت العناوين الرئيسية داخل الصحف الناطقة باللغة الإنجليزية البارزة تتناول تأكيد الرئيس أوباما على أن الإسلام والولايات المتحدة يجب أن لا يتنافسا، بل يجب أن يشكلا جبهة مشتركة ضد التطرف. وعلى الجانب الآخر أشارت معظم الصحف الناطقة باللغة الأردية إلى أن الرئيس أوباما أقر بأن الحرب في أفغانستان ليست حربا سهلة. وأشارت أيضا إلى إعرابه عن الرغبة في سحب القوات من أفغانستان والعراق. وأكدت معظم الصحف في مقالاتها الافتتاحية أنه «لا يمكن لخطاب واحد أن يمحو أعواما من عدم الثقة»، ومع ذلك قالت إنه على الأقل كان الخطاب دليلا آخر على أن الولايات المتحدة تترك وراء ظهرها الحدة التي اتسمت بها «أعوام (الرئيس السابق جورج) بوش» حسبما قالت صحيفة «الفجر» اليومية الناطقة باللغة الإنجليزية.

الصحافة الهندية

* استحوذ خطاب أوباما الذي ألقاه من داخل جامعة القاهرة على اهتمام وسائل الإعلام في شبه القارة الهندية، التي يعيش فيه أكثر من 500 مليون مسلم، بالأساس داخل الهند وباكستان وبنغلاديش.

وغطت القنوات التلفزيونية طوال اليوم لردود الأفعال على الخطاب، بينما قامت وسائل الإعلام بنشر تغطية للخطاب على صفحاتها الأولى.

وكان العنوان الرئيسي في «هندستان تايمز»، الصحيفة الهندية الواسعة الانتشار: «أوباما يمدّ يده للمسلمين»، فيما كان العنوان الرئيسي في صحيفة «تايمز أوف إنديا»: «أوباما يعرض على المسلمين بداية جديدة».

وكان العنوان الرئيسي في صحيفة «ذي دالي ستار» البنغلاديشية يقول: «أوباما يمد يده للمسلين» وكان هناك عنوان جانبي لإشارة أوباما إلى قيادة المرأة في بلد مثل بنغلاديش.

وفي مقالها الافتتاحي قالت صحيفة «ذي تايمز أوف إنديا» إن أوباما عرض تغييرا يبعث السرور عن سياسات بوش «المعادية للإسلام» التي تسببت في فُرقة بين المسلمين وباقي العالم. إنها بداية جديدة، وقد بعث كلماته رسالة إيجابية إلى العالم بأسره وإلى أميركا. ولكن، سنرى كيف تترجم هذه الكلمات إلى أفعال.

وكتبت «آشين أيج»: «سوف يعلم ما إذا كان أوباما سوف يتبع كلامه الجيد بأفعال جيدة. ومع ذلك، فإنه يدعو القيادات الدينية كافة لكتابة ملاحظات على خطاب أوباما ودعمه».

وقال المقال الافتتاحي: «هذه هي المرة الأولى التي يخاطب فيها رئيس أميركي المسلمين من مدينة في العالم الإسلامي لا من البيت الأبيض. يجب أن نتصرف جميعا بصورة إيجابية تجاه الجهد الذي قام به».

وأثنت صحيفة «إنديان إكسبريس» على خطاب أوباما، ولكنها أشارت إلى أنه لا توجد إشارة إلى الهند في خطاب أوباما. «يوجد بالهند أكبر عدد من المسلمين في العالم بعد إندونيسيا، وكان من المفاجئ أن تجاهل المسلمين الهنود كلية. العمل العسكري ليس هو الحل، وتحتاج هذه العقلية بالكامل إلى تغيير». وقالت صحيفة «ذي ناشين» الباكستانية إن خطاب أوباما كان مختلفا في الأفكار والكلمات والنبرة عما كان يُدلي به الرئيس بوش في المعتاد.

الشرق الأوسط

2009- june 6
N°11148

 

أوباما وأحجية الحقوق المدنية



هيثم مناع




لا تحاول هذه الأسطر مطالبة الرئيس الأميركي بما لا طاقة له به أو ما لا يشكل قناعة شخصية عنده، أي الخروج من المقاربة الأميركية لحقوق الإنسان إلى القراءة العالمية لهذه الحقوق. فانتخاب رئيس أميركي جديد لم يكن في يوم من الأيام ثورة في الأوضاع.

تتناول هذه الأسطر الحقوق المدنية، أي العنوان الأكبر لكل حركات الإصلاح الديمقراطي والحقوقي داخل الولايات المتحدة في الأزمنة الحديثة.

فكون الولايات المتحدة لم تصادق على "العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" وترفض الاعتراف بحق التنمية، ولم تصادق على أهم اتفاقيات حماية البيئة، كما لم تصادق بعد على "اتفاقية إلغاء أي شكل من أشكال التمييز بين الجنسين" (CEDAW) أو على "اتفاقية حقوق الطفل"، وقاطعت المحكمة الجنائية الدولية، وربطت تصديقها على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بالتحفظ على الفقرة الخامسة من المادة السادسة (التي تنص على منع حكم الإعدام للأطفال).. يمكن أن نقول دون مبالغة، إن الإدارات الأميركية المتعاقبة غربلت القانون الدولي لحقوق الإنسان على أساس قراءة خصوصية محلية أميركية.

"
امتزج بناء دولة القانون الأميركية بتداخل بين الاستقلال ومفهوم السيادة من جهة، والدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق وواجبات المواطن من جهة ثانية, وانعكس ذلك بشكل كبير على علاقة الدولة الأميركية بالمؤسسات الدولية
"
كما سبق أن أوضحت، يعود ذلك إلى أكثر من عامل بنيوي ووظيفي، فقد امتزج بناء دولة القانون الأميركية بتداخل بين الاستقلال ومفهوم السيادة من جهة، والدفاع عن الحريات الأساسية وحقوق وواجبات المواطن من جهة ثانية.

وانعكس ذلك بشكل كبير على علاقة الدولة الأميركية بالمؤسسات الدولية، وبالتالي رفضت الانتساب لعصبة الأمم، وكانت أكثر دولة دائمة في مجلس الأمن تستعمل الفيتو، ووراء أكثر من 80% من العقوبات الاقتصادية في العالم.

اعتادت مؤسسات الأمم المتحدة ومعظم دول العالم على فكرة رديئة تقول بأن للدولة العظمى ما ليس لغيرها، ليس فقط على صعيد الثروة والقوة، وإنما أيضا في تعاملها مع الحقوق والحريات.

هذه القراءة "الخصوصية" لحقوق الإنسان تنعكس سلبا على عالمية حقوق الإنسان، لأن خصوصية القوى الكبرى هجومية، أي تدخلية وطامحة لفرض تصورها على الآخر، بمعنى سيطرة الجزء على الكل.

لذا لا نستغرب أن تكون الخصوصية الأميركية هذه سببا مباشرا أو غير مباشر لتعزيز خصوصيات أخرى، خاصة أنها لم تمتلك القدرة على الموازنة بين القوة المالية والعسكرية والتقنية من جهة، والدفاع عن المرتكزات القيمية للحضارة الغربية من جهة ثانية.

غير أن الحريات المدنية تعطي هوامش واسعة لارتقاء الفكر الحقوقي ووسائل الدفاع عن المواطنة ودولة القانون. ورغم الآليات الأميركية الفريدة من نوعها للتصديق على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان (والتي يوضحها كينيث روث في واحدة من أهم مقالاته في مجلة شيكاغو للقانون الدولي 2000)، فإن هذا النهج كما يقول المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش "يعكس حالة من الخوف والغطرسة، الخوف من أن المعايير الدولية يمكن أن تحدّ من الحرية غير المقيدة للدولة العظمى، والغطرسة الناجمة عن قناعة محلية بأن الولايات المتحدة بما لها من تاريخ طويل وحافل في حماية الحقوق، ليس لها أن تتعلم شيئا من باقي دول العالم".

في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، ألقى باراك أوباما كلمة فوزه برئاسة الولايات المتحدة. وكأول رئيس أميركي من أصول أفريقية، وقف ابن الزواج المختلط الذي يجمع أكثر من رمز في نشأته وتجربته يقول:

"الليلة برهنا مرة أخرى على أن الحالة الصحية لقوة أمتنا لم تتأت من الحروب أو حجم الثروات، وإنما من صمود قيمنا: الديمقراطية والحرية والتلاؤم والأمل العنيد، هذه هي العبقرية الحقيقية لأميركا.. الولايات المتحدة يمكن أن تتغير".

ما من شك أن الخلاص من كابوس الحقبة البوشية قد شكل بالنسبة للمدافعين عن الحريات المدنية وحقوق الإنسان في الولايات المتحدة لحظة سعيدة، وذلك رغم ثقل الميراث وعمق الأزمتين الاقتصادية والعسكرية وتردي صورة الولايات المتحدة بشكل لا سابق له منذ حرب فيتنام.

فالرئيس الجديد له تجربة في تنمية وتأهيل أحياء الفقراء، مدافع عن الحقوق المدنية، وأستاذ سابق في القانون الدستوري، وقد صّوت ضد تشكيل اللجان العسكرية عام 2006، واعتمد في حملته الانتخابية على مبدأ بسيط يقول بأن احترام دولة القانون يشكل مصلحة أميركية وأمنية عليا، وبالتالي لا يتعارض مع الحرب على الإرهاب. وقد اعتمد في ردوده حتى على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، على نقد غياب الشفافية باسم الضرورة الأمنية.

عناصر هامة وإيجابية -دون شك- للتعامل مع ملف تهشيم دولة القانون الأميركية من داخلها، عبر المجموعة الأيديولوجية التي سادت خلال فترة الرئيس السابق جورج بوش الابن (ديك تشيني، ورونالد رمسفيلد، وكوندوليزا رايس، وجون آشكروفت، ومايكل موكاسي، ودان بارتليت، وألبرتو كونزالس..).

"
بينما احتفظت المؤسسة العسكرية الأميركية بالحد الأدنى الضروري، بقيت المؤسسات الأمنية في حالة تخبط بين مستفيدين من دور متصاعد لها في البلاد وتوجه يخشى ردود فعل داخلية وخارجية تحتاج إلى كباش محرقة
"
وبينما أعاد تعيين روبرت غيتس في البنتاغون (الذي عايش ثماني إدارات مختلفة)، موفرا حالة تماسك الحد الأدنى الضروري للمؤسسة العسكرية، بقيت المؤسسات الأمنية في حالة تخبط بين مستفيدين من دور متصاعد لها في البلاد نتيجة هيمنة التصورات الأمنية على الإدارة السابقة، وتوجه يخشى ردود فعل داخلية وخارجية تحتاج إلى كباش محرقة.

خارج أوساط حقوق الإنسان الأميركية لم تكن قائمة المطالب ثقيلة، فالرئيس السابق جيمي كارتر يكتفي بالحد الأدنى الضروري والمنطقي لاستعادة صورة أجمل عن بلده في رسالته للرئيس في الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2008، نشرت جولي ميرتس رسالة مفتوحة للرئيس المنتخب تقترح فيها كأستاذة لحقوق الإنسان ومراحل الانتقال، أربع خطوات ضرورية للخروج من "الوضع الذي انزلقت إليه الحقوق في الولايات المتحدة":

- بناء علاقات مع منظمات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة.
- إصلاح العلاقة مع هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
- عمل شيء يدل بشكل قاطع على أن الإدارة الأميركية لن تتصرف كأنها فوق القانون الدولي.
- في الأسبوع الأول في مكتبك، احمل القلم وباشر توقيع عدد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

فما الذي حدث؟.. حاول الرئيس الجديد تحييد خصمه الديمقراطي (هيلاري كلينتون) والخط الجمهوري المعتدل، في خوضه معركة وقف التدهور في أوضاع الحريات، والتخلص من أهم الرموز السلبية للإدارة السابقة عند المجتمع الأميركي والدولي (غوانتانامو، حرب العراق، المحاكم العسكرية..).

لقد حقق برنامج الحد الأدنى بدخول بلاده مجلس حقوق الإنسان، في وقت أوضحت فيه زيارة وزيرة الخارجية الجديدة للصين غياب أي إصرار عند الإدارة الجديدة على إعطاء الدروس أو أن تلعب الولايات المتحدة دور ولي أمر الحقوق الإنسانية في علاقاتها الخارجية، اللهم إلا إذا اقتضت المصلحة القومية العليا ذلك! لكن يبدو أن فريق أوباما لا يمتلك الجرأة الكافية للخوض في قضايا أساسية تمس الحريات المدنية في الولايات المتحدة اليوم.

لم تكن الأيام المئة الأولى للإدارة الجديدة مرضية لمنظمات حقوق الإنسان التي -وإن كانت لا تحمل أوهاما كبيرة- لم تتوقع أن يكون شهر مايو/أيار أسوأ.

فعلى صعيد ميزانية تمويل الحرب في العراق وأفغانستان جرى رصد 96.7 مليار دولار، الأمر الذي دفع 51 نائبا ديمقراطيا للتصويت ضدها، باعتبارها تنطوي على مخاطر عالية دون أهداف واضحة أو إستراتيجية تحديد مخارج. ثم أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستحول دون نشر صور خاصة بالتعذيب استجابة لقرار قاضي اتحادي قبل 28 مايو/أيار 2009 (بناء على طلب الاتحاد الأميركي للحريات المدنية)، وذلك بدعوى خشية ردود أفعال.

بل اعتبر أوباما أن "النتيجة المباشرة لنشر المزيد من صور التعذيب للمعتقلين في العراق وأفغانستان ستكون إثارة المشاعر ضد الأميركيين وتعريض جنودنا لخطر أكبر".. فإذا كانت هذه الصور بطابعها المرعب تشكل خطرا على الأمن القومي من ردود الأفعال المحتملة، يمكننا أن نتصور حال الأشخاص الذين عانوا من هذه الجريمة البشعة؟

"
بعدما وقف أوباما ضد اللجان العسكرية منذ نشأتها، عاد إلى فكرة المحافظة عليها مع تعديلات "ترقيعية"، بدعوى أنها تشكل الحل الأفضل لملفات إرهابية بعينها, بل وتجري دراسة احتمال المحاكمات السرية بعيدا عن الرأي العام
"
بعدما وقف باراك أوباما ضد اللجان العسكرية منذ نشأتها، وكان يسميها "الحل المرقع لقضية السجناء"، يعود الرئيس الأميركي إلى فكرة المحافظة على هذه اللجان مع تعديلات "ترقيعية"، بدعوى أنها تشكل الحل الأفضل لملفات إرهابية بعينها. بل وتجري دراسة احتمال المحاكمات السرية بعيدا عن الرأي العام بحجة الاعتبارات الأمنية.

هذه القرارات والمواقف الفاقعة يجب أن لا تنسينا ملفات أساسية للحقوق المدنية تشكل فيها حتى اليوم سياسة الإدارة الحالية استمرارا للإدارة السابقة مثل:

- استمرار اعتقال أكثر من 650 شخصا دون محاكمة أو قرار قضائي في القاعدة الجوية الأميركية بغرام بأفغانستان، في ما يمكن تسميته الاعتقال غير المحدود بدون محاكمة، مع حرمانهم من إمكانية إقامة دعاوى قضائية أمام المحاكم الأميركية.

- على الأقل 36 شخصا يخضعون لنظام الاعتقال السري في الولايات المتحدة، وهم في عداد المفقودين.

- ما زال المدعي العام يرفض أية دعوى قضائية بحق من مارس التعذيب أو سمح به رغم أن 58% من الأميركيين يطالبون بمنع أي شكل من أشكال التعذيب.

- المحافظة على ما يسمى أسرار الدولة بدعوى أن وضع حد لها يتطلب قانونا من الكونغرس.

- ما زالت الولايات المتحدة تمارس أشكالا من التسليم للمعتقلين والموقوفين وإن أقل مشهدية من قبل، لكنها تجري في غياب الشفافية ودون معرفة القواعد القانونية المتبعة.

- ما زال الرئيس أوباما يؤيد التنصت على الأميركيين والمقيمين في الولايات المتحدة بدون الحاجة إلى إذن قضائي.

- أبقى أوباما على برامج التوعية الدينية التي فرضها الرئيس بوش.

- ما زال مصير 239 معتقلا في غوانتانامو على كف عفريت في غياب تصور عقلاني قائم على إطلاق السراح أو المحاكمة العادلة، أي إعادة التأهيل لأكثر من 180 منهم لم ولن يحاكموا لغياب ملفات قضائية جدية بحقهم.

"ينبغي أن نقلب الصفحة" يقول الرئيس الأميركي.. "نعم" تجيب منظمات الحقوق المدنية والدستورية، لكن ليس على مبدأ "عفا الله عما سلف"، فالمجتمع الأميركي والتجارب البشرية الأخرى بأمس الحاجة إلى تفكيك آليات ارتكاس أية ديمقراطية شكلية، وبحاجة إلى متابعة الانتهاكات الجسيمة، من أجل توضيح التخوم بين دولة القانون والممارسات الدكتاتورية.

لقد زرعت ثقافة الخوف والضرورات الأمنية التي كانت سياسة رسمية للدولة في السنوات السبع الأخيرة، وضعا يتقبل استمرار الحالة الاستثنائية في العديد من مظاهر الحياة العامة. وإن لم تتمكن حركة حقوق الإنسان والمثقفون النقديون من تفكيك فكرة أن الأمن القومي يتطلب تضحيات على صعيد الحقوق والحريات، ستبقى آثار المحافظين الجدد موجودة في الرؤوس، بل والمنعكسات الشرطية البدائية لقطاعات واسعة من البشر التي تعايشت مع الوضع السابق.

"
يبدو أن الرئيس أوباما بعد تواصله مع الأجهزة الأمنية وضغوطات مجموعات الضغط المختلفة وتهديدات المحافظين الجدد المباشرة وغير المباشرة، آثر السلامة بالاستجابة لأقل المطالب تكلفة
"
يبدو أن الرئيس الأميركي بعد تواصله مع الأجهزة الأمنية وضغوطات مجموعات الضغط المختلفة وتهديدات المحافظين الجدد المباشرة وغير المباشرة، آثر السلامة بالاستجابة لأقل المطالب تكلفة.

لا شك في أن حالة الاسترخاء النضالي التي تلت هزيمة المرشح الجمهوري، واطمئنان الجبهة الدولية المناهضة لسياسات المحافظين الجدد إلى رفض المرشح أوباما لانتهاكات سلفه، والهجوم المضاد الذي باشره المعسكر المهزوم عبر وسائل إعلامه ونائب الرئيس السابق ديك تشيني (الذي يسعى لإبعاد شبح أية فضائح من الوزن الثقيل أو مساءلات قضائية وبرلمانية)، كذلك الصعوبات التي تعيشها الإدارة الجديدة في ملفي أفغانستان والتعامل مع الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.. كل هذه العوامل جعلت الرئيس الأميركي يكتفي بلعب دور طبيب الجراحة التجميلية للوجه وطموح وقف التدهور.

اللهم إلا إذا رفضت الحركة المدنية الأميركية هذا الخيار عبر تحركات قضائية ومطلبية ضاغطة تسترجع فيها لحظات كتلك التي دخل فيها المواطن الأميركي الأسود براون التاريخ عبر قرار للمحكمة الدستورية العليا عام 1954 ضد مجلس التعليم.. خطوة شكلت نقطة انطلاق صلبة لمناهضة التمييز العنصري في الولايات المتحدة.

المصدر: الجزيرة

Pour en savoir plus sur l'auteur : http://ar.wikipedia.org/wiki/هيثم مناع







عن مصر المكان والمكانة


حين يختار الرئيس باراك أوباما القاهرة لكي يوجه منها رسالة إلى العالم العربي والإسلامي، فإن أحد الأسئلة التي ينبغي أن نفكر في الإجابة عنها هو ما إذا كان قد قصد المكان أم المكانة؟

(1)


ما دعاني إلى طرح السؤال أنه منذ أعلن النبأ في واشنطن فإن صداه في مصر كان مبالغا فيه، حتى ذهب سيل التحليلات التي نشرت في الصحف القومية، بوجه أخص، إلى أن القرار بمثابة شهادة جدارة للوضع القائم في مصر ووسام رصع جبينها. ولم يفت الذين كتبوا ذلك الكلام أن يشددوا على أن اختيار الرئيس الأمريكي يرد على المتشككين ويقطع ألسنة المتقولين الذين يتحدثون عن تراجع مكانة مصر ودورها في محيطها العربي والإسلامي.

ولم تكن تلك هي المبالغة الوحيدة، لأنني أحد الذين يزعمون أن الآمال المعلقة على الإدارة الأمريكية الجديدة لا تخلو بدورها من مبالغة. وقد قصدت استخدام مصطلح الإدارة الأمريكية، لأن السياسة هناك ليست محكومة بنوايا الرئيس ورغباته الشخصية، ولكنها تمر بقنوات مؤسسية كثيرة تؤثر على قرار الرئيس وموقفه، بحيث قد تجعل من السياسة شيئا آخر مختلفا عما يردده السياسي الجالس على مقعد الرئيس. وهذا شق في المسألة تصدى له عدد غير قليل من المعلقين الذين دعوا إلى عدم التسرع والاستباق في الحكم على سياسة الرجل، ومن ثم التعامل مع مقولاته بخليط من الترقب والحذر، انتظارا للمرحلة التي تترجم فيها رسائله المطمئنة والمريحة إلى أفعال ومواقف تتبناها إدارته وحكومته.

وحين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط وبالعلاقة مع الإسلام والمسلمين بوجه أخص، فإن الحذر يصبح أوجب، لأن لأي رئيس أمريكي كوابح وحدودا في التعامل معها لا يستطيع أن يتجاوزها، حتى لو أراد.

«اختيار الرئيس أوباما للقاهرة يعود إلى أحد احتمالين، الأول أن يكون لدى الرئيس أوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي، والثاني أن يكون أوباما قد أراد أن يوجه لفتة خاصة إلى مصر».

لست بصدد تقييم موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، ولكنني معني بمحاولة الإجابة عن السؤال الذي طرحته في البداية، والمتعلق بالمكان والمكانة في مصر الراهنة. وهو ما يدعوني إلى استطراد بسيط يسلط الضوء على خلفيات زيارة الـ14 ساعة التي سيقوم بها الرئيس أوباما لمصر في الرابع من شهر يونيو القادم، ذلك أن الباحث لا تفوته ملاحظة أن الرئيس الأمريكي كان قد خاطب العالم العربي والإسلامي بشكل مباشر مرتين على الأقل خلال المائة يوم الأولى من ولايته؛ إحداها أثناء زيارته لتركيا في الخامس من شهر أبريل الماضي، والثانية جاءت في ثنايا الرسالة التي وجهها إلى الشعب الإيراني بمناسبة عيد النوروز في شهر مارس الماضي.

وقبل ذلك، وجه إشارة إيجابية، في أكثر من خطاب له، ذكر فيها أن الولايات المتحدة ليست في حرب أو اشتباك مع الإسلام، بل إنه لم يستخدم مصطلح الحرب ضد الإرهاب، الذي لم يكن يخلو منه بيان سياسي صادر عن الإدارة السابقة.

إذا صح أنه سيوجه من القاهرة، في زيارته المرتقبة، رسالة إلى العالم العربي والإسلامي للمرة الثالثة، فإن ذلك يحتاج إلى تفسير. وقد ألقيت سؤالا في هذه النقطة على الصحفي الأمريكي البارز سيمور هيرش، محرر مجلة «نيويوركر» ذائع الصيت، حين التقيت به في دبي قبل أيام. في رده، قال إنه ليست لديه إجابة محددة، لكنه لا يستبعد أحد احتمالين، أحدهما أن يكون لدى الرئيس أوباما ما يقوله بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي، خصوصا أن زيارته للقاهرة تأتى بعد لقائه في واشنطن مع ممثلين للأطراف الثلاثة: ممثلي «المعتدلين» العرب والإسرائيليين والفلسطينيين؛ الاحتمال الثاني أن يكون أوباما قد أدخل تعديلا على برنامج زيارته الخارجية بناء على نصيحة بعض الجهات المعنية في واشنطن، لكي يوجه لفتة خاصة إلى مصر، التي ترعى حوار الفصائل الفلسطينية في حين تحتفظ بعلاقات إيجابية مع إسرائيل، خصوصا أن القاهرة كانت قد توقعت منذ البداية أن تكون هي، وليس أنقرة، المنصة التي يوجه منها الرئيس الأمريكي الجديد أول خطاباته إلى العالم الإسلامي.

(2)


موضوع مكانة مصر أثير في الاجتماع الأخير لمنتدى الإعلام العربي الذي عقد في دبي قبل عشرة أيام، إذ خصصت جلسة للفضائيات المصرية طرح فيها السؤال التالي: هل يمكن أن يستعيد الإعلام المصري مجده؟ دعك من أن الإعلام اختزل في الفضائيات دون غيرها، الأمر الذي استدعى استضافة أربعة من مسؤولي ونجوم القنوات المصرية، لأن السؤال تمت صياغته بصورة افترضت أن الإعلام المصري لم يعد مؤثرا في الفضاء العربي. وهذا الافتراض لم يختلف عليه أحد، سواء من المتحدثين على المنصة أو من نخبة المثقفين المشاركين في الجلسة.

المتحدثون أثاروا ثلاث نقاط. الأولى أن لديهم هامشا واسعا في الحركة؛ والثانية أنهم يدركون أنهم يؤدون مهمتهم في حدود الظروف المتاحة، وأنهم يعيشون في بلد له أوضاعه الخاصة التي تختلف عن النماذج السائدة في أوربا، مثلا؛ والثالثة أنهم يدركون أن هناك طفرة إعلامية في العالم العربي، وأن مسألة الريادة المصرية في الإعلام لم تستمر، بعدما طور الإعلام العربي من إمكانياته وأصبح الجميع يتنافسون على جذب المشاهد العربي.

«الفضائيات المصرية تعاني من الانكفاء والتركيز على الداخل، فهي ليست فضائيات بالمعنى المعروف، ولكنها قنوات محلية عاجزة عن مخاطبة المشاهد العربي مع انخفاض سقف الحرية، الأمر الذي جعلها متخلفة عن قنوات عربية أخرى»

http://almassae.press.ma/






رسالة مسيحيي المشرق العربي إلى قداسة البابا

حياة الحويك عطية

من المدرج العماني الكبير الذي ربما يكون قد شهد رمي المسيحيين الأوائل إلى الأسود الجائعة بحكم الوالي الروماني، إلى بيت لحم، المدينة التي شهدت ولادة سيد المسيحية طفلا مضطهدا من قبل قوى الشر الحاكمة: يهودا ومستعمرين أوروبيين رومان، كما شهدت هرب أهله به لاجئين إلى مصر. كما أحفاد الفلسطينيين اليوم وليس كما مصر!! مرورا بالمدينة التي أعطته اسمها كنية -الناصري- ومن ثم لجميع أتباعه على مدى ألفي سنة. كنت أتابع زيارتك يا سيدي الحبر الأعظم. أيها القادم على طريق عودة لأرض لم تخرج منها، لكنها عودة على طريق سلفك الفلسطيني، الرسول التلميذ الذي خرج من فلسطين حاملا رسالة سيده، دعوة إلهية - إنسانية استشهد لأجلها ولكن بعد أن عممها على الغرب الوثني، وجعل في روما كرسيها التي آلت إليك.

جذور المسيحية مشرقية

كنت أنا المسيحية أتوقع أن تقول ذلك يا سيدي. أن تقول إنك تمشي على خطى بطرس الرسول، أو - وذلك هو الأحرى- على خطى معلمه سيدنا يسوع المسيح. أما إذا أردت العودة إلى ما هو أعمق، ومن وحي الأردن، فقد توقعتك أن تبدأ بالمغطس حيث خطى يوحنا المعمدان، وحيث المياه التي تعمد بها الناصري على يد هذا النبي الذي يطلق عليه في بلادنا أيضا اسم يحي.. ليصبح العماد، منذئذ، المدخل الإلزامي الوحيد للإنسان كي يكون مسيحيا.

هو السر المسيحي الأكثر قداسة، وبالتالي هو الموقع المسيحي الأكثر رمزية ودلالة على أرض الأردن الحالي. فما هي الرمزية التي أردتها أيها الأمين على الأناجيل من موقع النبوة؟

رمزية توراتية- تقول- ولكنها التوراة اليهودية محرمة على المسيحيين حتى القرن السادس عشر، وما زال الأصلاء منهم حتى الآن، في الغرب وفي الشرق لا يعترفون إلا بمرجعية الإنجيل. ويرفضون الانجرار في عملية تهويد المسيحية الغربية التي تحولت إلى يهو- مسيحية.( ألا تذكر أن الأب بيار القديس الخيّر قد طلب قبل عامين بألا يوضع على تابوته إلا العهد الجديد فحسب؟)

لا نريدها نحن الشرقيون العرب تلك المسيحية الجديدة، ولا نريد أيضا أن يوظف النفوذ الروحي للكنائس الغربية، من كاثوليكية وبروتستانتية لتسويقها لدى مسيحيي الشرق وخاصة العربي.

أنا مسيحية عربية يا سيدي! ولست من أتباع الكنيسة الشرقية كما يتبادر لقداستكم، بل من أتباع الكنيسة المارونية التي جاء رأسها إلى الأردن للقائكم. بل إنني حفيدة البطريرك الحويك الذي كان آخر بطاركة الموارنة الذين يرفضون بإصرار التبعية لروما ولبيزنطة. وفاء لإرث مؤسسهم الراهب البدوي الحمصي، الذي تمرد على الاثنين لوعيه العميق بأن جذور المسيحية هنا على هذه الأرض، وأصل المسيحية هنا، والمسيح نفسه من هنا، فلمَ نتبع لسلطة دينية خارجية؟
لذلك فإنني كعربية أولا، أنحني لك احتراما واسمح لنفسي بأن أذكر بأن حظنا على هذه الأرض أن نكون مهبط الأديان السماوية، لا نأخذها عن أحد، ولا تشكل لنا أية قطيعة مع تاريخنا وتراثنا، حتى ولو شكلت ثورة. لأن الثورة تعديل وإصلاح لا تنكر.

مسيحيو المشرق العربي ليسوا أقلية


وبناء على هذا الواقع التاريخي الذي لم نختره بل اختارته لنا السماء، نتلقى دعوتكم الكريمة إلى الحفاظ على التعددية بتوضيحين:

- الأول أن التعددية يا صاحب القداسة، لم تأت إلينا نتيجة هجرة أو استعمار، بل إنها وزعت الإخوة في بلادنا على الإيمان، كل بالطريقة التي اختارها. طالما أن الإسلام والمسيحية قاما على الإكراه، في أول تجل إنساني حقيقي لحقوق الإنسان وحرية المعتقد.
- والثاني أن الغرب الذي تعرفون، ومعه وليده الصهيوني العنصري، هم الذين يستهدفون-ومنذ عقود- هذه التعددية، بتخطيط إستراتيجي دقيق ومبرمج يهدف إلى تهجير مسيحيي العالم العربي، لينزعوا عنه صفته التعددية. من فلسطين إلى مصر إلى السودان إلى العراق ( أي فصل مرير وفاضح هو العراق! ماذا فعلتم لأجل بقاء مسيحييه على أرضهم؟)

وعليه، فإننا يا صاحب القداسة - كعرب مسيحيين - لسنا بأي حال أقلية، لأننا العرب قبل الإسلام وبعده، ولا نحتاج إلى حماية إلا حمايتنا من مخططات اقتلاعنا من أرضنا ورمينا على أرصفة الغرب مادة ضغط وابتزاز ضد بلداننا. وفي أحسن الأحوال مهاجرين لا انتماء لهم ولا قضايا.

أعرف، جيدا أن ما أقوله ليس واضحا لجميع المسيحيين: فمائة سنة من الكلام عن الأقليات، ومائة سنة من تضافر الجهل المسيحي مع الجهل الإسلامي، واستهداف الطرفين لشحن كل منهما ضد الآخر، في جو يغيب عنه مفهوم حقوق المواطن لتحل محله حقوق الجماعات على اختلافها، ويسود فيه نمط الاستقواء بالأجنبي على أي أساس مفتعل كان، هي فترة كافية لزرع الحذر والتعصب لدى الجهلة، حتى ولو ادعوا العلم.

بهذا المعنى التعددي الذي ذكرت، وبه فقط نفهم توصيفكم للمسيحية بأنها: "رسالة تهدف إلى محو روح التعصب" دون أن يكون هذا المعنى، بأي حال مدخلا لجعلنا نقبل من يحتل أرضنا ويدعو إلى إبادتنا بحجة قبول الآخر

اضطهاد اليهود قضية أوروبية وليست عربية

نحن نفهم تفسير روح المسيحية بأنها: "التضامن مع الفقراء والمهجرين وضحايا الماسي الإنسانية الكبرى"، دون أن يكون ذلك مدخلا لجعلنا مسؤولين عما تعنونه أنتم أوروبيين -وخاصة قداستكم كألماني- بالمأساة الكبرى. ولنسم الأشياء بأسمائها: مأساة اليهود على يد النازي. لن نناقشها، ليس فقط لأن المجال لا يتسع، ولكن لأنها قضيتكم في أوروبا. فالعرب لم يضطهدوا اليهود يوما، وهم لم يعيشوا يوما في ديارنا ضمن غيتوهات، بل كمواطنين عاديين. الغيتو اليهودي الأول على أرضنا هو ذلك الذي أنشأته الصهيونية وسمته دولة إسرائيل. وإذا كنتم، يا صاحب القداسة، تصلي -كما قلت: "كي لا تشهد الإنسانية جريمة مماثلة" فاسمح لي يا رأس الكنيسة أن أذكرك بأن جريمة أشد قسوة تدور على أرض فلسطين، ولا يمكن لرائحة دمائها إلا أن تكون قد وصلتك من فلسطين، حيث آخر الحلقات، هولوكوست غزة لم يجف بعد، أو من لبنان قبل ثلاثة أعوام. وحيث أول من يستقبل قداستكم على أرض فلسطين هو جزار قانا، ويليه رئيس وزرائه ووزير خارجيته الأكثر عنصرية وتعصبا في العصر الحديث.

لذا فإن الحوار بين المسيحية واليهودية الذي دعوتم إليه وطلبتم أن "يستمر يستمر في روح الأنبياء" هو حوار مستحيل على هذه الأرض، لأننا نفهمه في روح المسيح لا في روح يوشع. ألا ترون يا صاحب القداسة أنهما روحان نقيضان كما لا نقيض، الغفران والإبادة؟

لكننا نعرف كمسيحيين يا سيدي أن المسيح نفسه لم يغفر إلا للذين "لا يدرون ما ذا يفعلون"، أما الآخرون فقد طردهم بالسوط من الهيكل: "اخرجوا من بيت أبي يا فاعلي الإثم". صراع لأجل الحق ولأجل الإنسان لم يتهاون فيه السيد حتى النهاية، حتى السلامة والشهادة.
كل هذا هو ما نفهمه نحن ب: "الوفاء للجذور المسيحية" الذي أوصيتنا به في الخطبة الرسولية، وكذلك ب "الوفاء لرسالة المسيحية في الأرض المقدسة"

قطاع غزة كان أولى بزيارة البابا


كل هذا يجعلنا نسال قداستكم: لماذا لم تزوروا قطاع غزة المنكوب بالموت والفقر والظلم والاضطهاد، أو ليس المبتلون بكل هذا في جوهر رسالة السيد المسيح؟ أو لم يكن إليهم يذهب ومن أجلهم يبشر ويناضل؟ هو الذي لم يقل يوما إنه جاء ليخلص المسيحيين بل بني البشر الذين نظر إليهم سواسية وخاطبهم كلهم ب "يا إخوتي"، ولم يقل يوما إن بينهم من ميزه الله تمييزا عنصريا يقسم الناس إلى أبناء الله وأبناء الإنسان.إلى يهود وعجماوات.

لماذا يا صاحب القداسة يأتي توقيت زيارتكم والقضاء الإسباني يتهيأ لمحاكمة مسؤولي المجزرة في غزة كمجرمي حرب؟ لقد منحتموهم صك البراءة من دم المسيح، بحجة مرور الزمن وعدم مسؤولية الأحفاد عن جريمة الأجداد: هنا يا سيدي لم يمر الزمن بعد، والمسؤولون عن الجريمة أمامك تصافحهم، فلما ذا تمنحهم صك البراءة من دم أهل غزة؟

وهؤلاء المسيحيون الذين يتهيؤون لاستقبالكم كرعايا في فلسطين: هل أبلغوكم بأن قريتين مسيحيتين هما أقرت وكفر برعم قد أزيلتا من الوجود عام 1948 ورغم أن المحكمة العليا الإسرائيلية، أعلى هيئة قضائية في الدولة العبرية أصدرت قرارا عام 1950 بإعادة سكانهما المهجرين في وطنهم، فإن هذا القرار ظل حبرا على ورق؟ هل أبلغوكم بأن واحدهم لا يستطيع الحج من الناصرة إلى بيت لحم، والعكس؟ هل قدموا لقداستكم بيانات عن نسبة هجرة الفلسطينيين المسيحيين من الأراضي المقدسة في خطة مبرمجة لإفراغها منهم؟ هل تجرأ أحدهم وقدم لقداستكم وثيقة عن العنصرية المكرسة في القوانين الإسرائيلية ضد غير اليهود على اختلاف أديانهم بما فيهم المسيحيون، ربما ليكذبوا ادعاءات شيمون بيريز حول التسامح والتعددية. وربما ليسألوا ببساطة: ماذا لو أن دولة أوروبية اعتمدت القوانين نفسها بحق اليهود؟

مسيحيو المشرق العربي مؤمنون وليسوا أتباعا

نطرح السؤال لدحض الادعاءات ولكننا لا نجهل عدم توفر أرضية المقارنة، حيث إن الدولة الأوروبية هي دولة مواطنيها الذين ليس بينهم من جاءت هي واحتلت أرضه وحكمته بالقوة.

وفي النهاية هل قال لكم أحدهم يا صاحب القداسة بأن لا ضير عليكم من السير في سيارة مكشوفة في شوارع الناصرة، فالعرب المسلمون ليسوا إرهابيين ولا مجرمين، ولن يتعرض أحدهم لحياتك. وما تصوير الأمر بهذه الخطورة إلا كمثل تسويق ما جاء في محاضرة لقداستك ضد دينهم، وذلك ما اتضح بعده أنه اقتباس تراجعت عنه. إنهما تسويقان يصبان في نفس المخطط الصهيوني الأميركي المدمر (ومن يسير في ركبه) لتفعيل صراع حضارات لا ينفذ من خلاله إلا واضعوه.

أخيرا اسمح لي أن أخاطبك كامرأة عربية، تكرمت بالتوجه إلى اعتبار أن المرأة تتميز بروح "المحبة والسلام" لأقول إنني كعربية مسيحية أجد نموذجي في السيدة العذراء التي إن جسدت، فهي أول ما تجسد الأم الحنون، المربية الفاضلة، التي واكبت ابنها في كل مسيرته و لم تمنعه يوما من مواصلة رسالته حتى الشهادة فداءا لمبادئه. إنها الروح التي تحرك أمهات فلسطين، اللواتي يحلمن ككل البشر بحياة هانئة هادئة مريحة لأبنائهن، ولكنهن يعرفن بالفطرة وتلقائية الحياة أنها مستحيلة في ظل احتلال وذل ومصادرة حقوق. إنها ذات الروح التي جعلتكم في الغرب ترفعون جان دارك المقاتلة الشهيدة إلى رتبة القداسة.

بحق العذراء والمسيح افهمونا قليلا يا سيدي، وتوقفوا عن التعامل معنا كأتباع، عاملونا كمؤمنين مساوين في المسيح واتركوا لنا أن نعلم إخوتنا أن يكونوا كذلك.
_______________
باحثة وإعلامية لبنانية


المصدر: مركز الجزيرة للدراسات


حل الدولتين حل تصفوي.. لماذا؟

http://almassae.press.ma/

سوف يسجل التاريخ أن تبني برنامج النقاط العشر لم يكن برنامجًا للحد الأدنى، بمعنى أن ثمة برنامجا معه للحد الأعلى، وهو تحرير كامل التراب الفلسطيني وإنما كان تمهيدا لإقامة دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في يونيو 1967، أو في الأدق إقامة دولة للفلسطينيين على أي جزء من الأراضي.

فقرار المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر عام 1988، بإعلان الدولة الفلسطينية وفقا لقرار مجلس الأمن 242 أي على الأراضي التي احتلت عام 1967، أكد أن برنامج النقاط العشر لم يكن برنامج الحد الأدنى وإنما التمهيد لإقامة الدولة الفلسطينية على جزء من أرض فلسطين التاريخية.

ثم أصبحت هذه الدولة الفلسطينية التي هي الدويلة الفلسطينية في واقع الأمر توصف بالحلم الفلسطيني والأمل الفلسطيني تماما كما لو أنها الهدف الأعلى أو برنامج الحد الأعلى.

وكان هذا بدوره تمهيدا ليتطور إلى ما يسمى الآن حل الدولتين أي حل القضية الفلسطينية حلا نهائيا على أساس قيام الدولتين، لو قيل في عام 1973/1974 إن برنامج النقاط العشر سينتهي إلى مشروع حل الدولتين لما رأى النور ولقوبل بالرفض بإجماع فلسطيني حتى من قبل الذين وافقوا عليه وكانوا قلة في ذلك الحين. وبالمناسبة، لم توافق حركة فتح التي كانت قيادتها وراء طرح مشروع النقاط العشر على هذا البرنامج إلا بعد سبع سنوات في مؤتمرها الرابع لأن الانتقال من برنامج التحرير الكامل إلى برنامج النقاط العشر كان يتطلب قرارا من المؤتمر.

عندما يقال مشروع حل الدولتين لم نعد أمام موضوع مجرد إقامة دولة فلسطينية على الأرض التي احتلت عام 1967 بعد تحريرها، وإنما أصبح الحل النهائي للقضية بما يعني التنازل عن %80 من فلسطين، هذا إذا لم تبتلع المفاوضات التي ستصل إلى اتفاق الدولتين أغلب القدس وجزءا مقدرا من الـ20 % العتيدة.

وعندما قدم الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش مشروع حل الدولتين بالاتفاق المسبق مع أرييل شارون في حينه، أردفه بعد مؤتمر أنابوليس بـ»إيجاد آلية دولية للتعويض للاجئين»، أي أن حل الدولتين، من وجهة نظر أمريكا وشارون وليفني وأولمرت، يعني التنازل عن حق العودة ليحل محله التعويض والتوطين والوطن البديل، ومن ثم يكذب من يذهب إلى المفاوضات حين يقول إنه متمسك بحق العودة.

إن كل من يظن أن حل الدولتين، الذي يطرح اليوم باعتباره الحل النهائي، لا يتضمن إلغاء حق العودة أو التنازل الفلسطيني والعربي عن حق العودة، يكون واهما ويحاول ذر الرماد في العيون من أجل تمرير حل الدولتين كم مُرّر من قبل مشروع النقاط العشر باعتباره مرحلة على طريق التحرير الكامل أو كما مرر مشروع الدولة الفلسطينية عام 1988 باعتباره الهدف الفلسطيني الذي يقوم على الأراضي المحتلة عام 1967، ومن ثم لا يعني التخلي عن حق العودة ولا الأراضي التي احتلت فوق تلك التي قررها قرار التقسيم 181 لعام 1947.

فالحديث، الآن، لا يدور حول سلطة وطنية تحولت إلى الدولة الفلسطينية التي تقوم بعد انسحاب العدو من الأراضي التي احتلت عام 1967، وإنما عن حل نهائي للقضية الفلسطينية برمتها بما يتضمن الشطب النهائي للحق الفلسطيني والعربي والإسلامي في كل فلسطين، كما شطب حق العودة، وحق تقرير المصير وحق تحرير فلسطين من الاغتصاب الذي تعرضت له في عام 1948/1949 بإقامة دولة الكيان الصهيوني. وبالمناسبة، فالذين يتحدثون عن حل عادل لقضية اللاجئين يلتفون على حق العودة باستخدام عبارة حل عادل.

ومن ثم، لا يصبح من حق أحد أن يتحدث عن النكبة التي وقعت عام 1948، والتي يُحتفى هذا الشهر بذكراها الواحدة والستين لأن حل الدولتين باعتباره الحل النهائي يسقط كل ما قبله من حقوق فلسطينية أو عربية أو إسلامية في فلسطين وفي القدس، وهو ما يعنيه شعار حل الدولتين.

إن الخلل الأساسي التاريخي الذي ارتكب عندما طرح برنامج النقاط العشر، وبالتحديد هدف إقامة سلطة وطنية فوق الأراضي التي ينسحب منها الاحتلال، كان يراد منه أن يصبح هدفا ليحل لاحقا، وتدريجيا، مكان هدف تحرير الأراضي التي احتلت عام 1967 من خلال العودة إلى خطوط الهدنة السابقة للخامس من يونيو، لأن وضع السلطة الوطنية هدفا أو وضع الدولة الفلسطينية هدفا سيجر فورا إلى المساومة على الأراضي والتفاوض حول إقامة السلطة أو إقامة الدولة.

فهدف دحر الاحتلال عن الأرض وبعد ذلك يتقرر الوضع السياسي للأراضي المحررة يحصر الموضوع في الاحتلال ودحره وليس في موضوع ما سيحل مكانه بعد ذلك ويغلق أية مساومة حوله كما يضع الاعتراف بالدولة القضية الفلسطينية كلها تحت المساومة.

وبعبارة أخرى، فإن الخلل في طرح هدف الدولة قبل تحرير الأرض قاد منظمة التحرير -كما عبر عن ذلك حتى في قرار المجلس الوطني بإعلان الدولة عام 1988- إلى اتفاق أوسلو والآن إلى «حل الدولتين»، وذلك لمساومة الفلسطينيين على الدولة أو السلطة.

علما بأن الرئيس محمود عباس أقر بمبدأ تبادل الأراضي مع المستوطنات وباقتسام القدس وإيجاد حل للأماكن المقدسة ودخل، عبر المفاوضات الثنائية المباشرة، في تفاصيل حل قضية اللاجئين وتبادل الأراضي وحالة الأغوار والحدود، وتعثرت المفاوضات عند أجزاء من القدس الشرقية أصر على جعلها العاصمة للدولة الفلسطينية في الحل النهائي «حل الدولتين»، وقد عجز أولمرت رغم اقتناعه عن تلبية ذلك، فلم تتم التسوية قبل نهاية 2008، كما أراد جورج دبيلو بوش.

مع مجيء نتنياهو وحكومته الائتلافية، اشترط في أي حل الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية وعدم الاكتفاء بـ«إسرائيليتها»، والقصد اعتبار من تبقى من الفلسطينيين بعد إقامة دولة الكيان الصهيوني بلا حقوق فيها ما دامت دولة لليهود فقط، وبهذا تسقط حقوقهم باعتبارهم أصحاب الأرض الأصليين، ومن ثم يتضمن الاعتراف بيهودية الدولة التمهيد لتهجير بعضهم ومبادلة بعض آخر.

وبهذا، انتقلت المعركة الآن إلى إقناع نتنياهو بإعلان القبول بـ«حل الدولتين» ضمن الحدود التي وافق عليها شارون وأولمرت وليفني وباراك، وهذا يقتضي من الضاغطين عليه أن يقدموا إليه شيئا مقابل ذلك ولو كان وعودا.

فيا للوطنية الفلسطينية حين يصبح همها إقناع إدارة أوباما بالضغط على نتنياهو لقبول مبدأ حل الدولتين وهو المشروع الإسرائيلي الأمريكي (بوش- شارون) أصلا، علما بأنه سيوافق عليه بل هو موافق عليه عمليا، لأن كل ما عداه في غير مصلحة الكيان الصهيوني ولا بديل لهم عنه.

فنتنياهو يرفض الاعتراف المسبق بحل الدولتين ليبتز إدارة أوباما، أولا، في ما يتعلق بالموضوع الإيراني وليدفع، ثانيا، إلى ممارسة الضغوط على الدول العربية لتقديم تنازلات تطبيعية وإجراء تغيير على المبادرة العربية بالرغم مما قدمته من تنازلات مجانية مسبقا، وذلك بإعلان الاستعداد العربي الجماعي بالاعتراف بدولة الكيان الصهيوني في حالة تمام حل الدولتين، أما ثالثا فاستدراج المزيد من التنازلات الفلسطينية عبر الرئيس محمود عباس وحكومته سلام فياض.

وبكلمة واحدة، إنها قصة تنازل أو تدحرج بدأ مع برنامج النقاط العشر وتحويل الدولة الفلسطينية إلى الحلم الفلسطيني وليس تحرير فلسطين، وانتهى الآن إلى مشروع حل الدولتين ولم نصل قاع التنازلات

المطلوبة بعد.









عزمي بشارة يكتب: كلُّ مُعوِّلٍ على إسرائيل لا يُعوَّل عليه

 

عزمي بشارة. المصدر: الجزيرة




عاش حزب العمل الإسرائيلي فترة نزاع مع الموت في الانتخابات الأخيرة. وتعقبها حاليا فترة عناية مكثفة في صفوف الحكومة العالية. فقد خَشيَ البقاء خارج الحكومة دون أن يكون حتى قائدا للمعارضة. لأول مرة في تاريخه يتم تهميش حزب العمل في السلطة وفي المعارضة في آن.

ولن نخوض هنا في أسباب ذلك، وليست كل الأسباب سياسية، فمنها ما يعود إلى انقراض قواعده الاجتماعية والطبقية وثقافته الطلائعية التأسيسية. ولكن الأهم هو الصيرورة التاريخية شبه التصاعدية منذ العام 1967 التي يتقدم بموجبها اليمين، ويتطابق خطاب اليمين القومي والديني.

ومنذ 1977 عام فقدانه للسلطة وحتى الانتخابات الأخيرة عاد حزب العمل إلى الحكم مرات ثلاث فقط. جرى ذلك دون حصول تغيير في نزوع المجتمع الإسرائيلي المثابر نحو اليمين. عاد العمل إلى سدة الحكم نتيجة لتحالفات مفارقة وهشة، مثل التحالف مع الهجرة اليهودية من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة لفترة قصيرة أوصلت حكومة رابين الثانية إلى السلطة، والتحالف مع تيار معتدل عابر في قيادة حزب شاس، أو مع اليمين العلماني الرافض لتحالفات المتدينين، أو مع المنشقين عن الليكود الذين شكلوا حزب كاديما.

وخلال ذلك ظلت قوة الحزب في تراجع، واستمرت قواعده الاجتماعية بالضمور. ولكن في فترات عودته القصيرة كان الحزب يكرس نمطا في الحكم هو النمط المهيمن في هذا الكيان حتى عندما يحكمه اليمين وحده:

"
تدير إسرائيل مفاوضات منفصلة مع الدول العربية والفلسطينيين على أساس تفسيرها هي للقرارات الدولية. والهدف هو اعتراف الفلسطينيين والدول العربية بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها والاتفاق على ترتيبات أمنية مشتركة. أما الثمن الذي تستعد إسرائيل لدفعه فهو إعادة أقل قدر ممكن من الأرض التي احتلت عام 1967 بحيث تشمل أكبر عدد ممكن من العرب، مقابل أكبر قدر ممكن من التطبيع
"
- الحفاظ على ثوابت مثل: أ. قدسية الجيش كأداة حرب وكأداة في عملية بناء الأمة. وتعني القدسية رفعَه فوق النقاشات الحزبية وفوق النقد والمحاسبة بشكل عام. كما تعني تملقه لغرض إثبات الوطنية والتوسع شعبيا.

ب. ثبات العلاقة الأميركية الإسرائيلية والتمسك بها كركيزة إستراتيجية أولى لإسرائيل على الصعيد الإقليمي والعالمي (وحتى على صعيد نمط الحياة مؤخرا) مغلفة بطبقات من التمويهات الثقافية والحضارية.

ج. التأكيد على يهودية الدولة. ويعني التأكيد على يهودية الدولة ما يلي: 1. الحفاظ على أكثرية يهودية. 2. تشجيع الهجرة اليهودية والحفاظ على العلاقة الجوهرية مع ما يسمى بـ"يهود الشتات". 3. التوصل إلى نوع من التسوية بين الشريعة اليهودية والقانون المدني في قضايا الأحوال الشخصية وقانون المواطنة، أي سؤال من هو اليهودي. 4. رفض حق العودة للفلسطينيين بشكل يجعله غير قابل للتفاوض. 5. التخلص من المناطق المحتلة المكتظة بالسكان لمنع تطور مفهوم الدولة ثنائية القومية بناء على تحول الفلسطينيين إلى طلب المواطنة المتساوية إذا استمروا بالعيش تحت الحكم الإسرائيلي في حالة من نظام الفصل العنصري، الـ"أبارتهايد"، لفترة طويلة.

- استمرار المفاوضات يشق العالم العربي إلى معتدلين ومتطرفين، ومحاولة تعزيز القاسم المشترك مع المعتدلين لعزل "المتطرفين".. وينسحب هذا التقسيم على العالم العربي بشكل عام وعلى الفلسطينيين وحتى على المواطنين العرب داخل إسرائيل. مع فروق في تعريف الاعتدال من حلقة إلى أخرى. ويبدو اليمين في المعارضة معترضا على هذه السياسة وهذه التقسيمات، إذ يبدو كمن يشكك بالعرب جميعا من منطلق عنصري، ثم لا يلبث أن ينصاع لهذه التقسيمات بين "عرب أخيار" و"عرب أشرار"، ويمارسها ببراغماتية أكثر من اليسار ذاته.

- يستمر اليسار الإسرائيلي ومن بعده اليمين في استخدام العنف العسكري لغرض منع حتى نشوء أو تطور تهديد عسكري ضد إسرائيل، ولنقل المعركة إلى "أرض العدو" وعدم فرضها على الداخل.. خاصة في حالة نشوء قوة عربية صاروخية أو غيرها مثل عمليات تسلل فعلية مؤثرة ناهيك بحرب فعلية على داخل "أرض إسرائيل"، (وهو ما لم يحدث منذ حرب عام 1948). وفيما يتفق اليسار واليمين على هذه النقطة، يكمن الفرق بينهما في نزعة الأول العسكرية الأكثر وضوحا، وفي توفر مرونة أكبر عنده في إقرار شن الحرب وذلك للاعتبارات التالية:
أ. الرأي العام المعارض في زمن حكمه هو رأي عام يميني يدفع للحرب ويزاود من اليمين. ب. المرونة التي يتمتع بها في المجتمع الدولي. ج. هامش تفاهم أوسع مع القوى العربية المسماة معتدلة، خاصة في ظل ما يسمى بـ"عملية السلام".

- يتفق اليسار واليمين كما قلنا على ثابت العلاقة الأميركية الإسرائيلية. وغالبا ما يزاود اليمين بنبرة وطنية إسرائيلية تؤكد عدم التبعية الكاملة لكل ما يصدر عن الولايات المتحدة. ولكنه يعود ويتعلم بالطريق الصعب عدم العبث بالعلاقة الأميركية الإسرائيلية، وهو ما بات قناعة راسخة منذ العام 1967، وبشكل خاص منذ فترة رابين الأولى في الحكم (1974-1977). هذا لا يعني طبعا أن تمتنع إسرائيل عن التأثير على عملية صنع القرار في الولايات المتحدة عبر ألف آلية وجماعة ضغط في الإعلام والسياسة والثقافة. وغالبا ما تنجح.

"
لم يتوقع البعض ربما أن يستقبل العرب نتنياهو وحكومة اليمين في الحكم بتعديلات على مبادرة السلام العربية "تسلح الولايات المتحدة بوسائل للضغط عليه". فقد كان المتوقع التمسك العربي بشروط الحل الدائم، بل واتخاذ خطوات متشددة تقابل تحدي العالم العربي بعد حروب أولمرت بإيصال نتنياهو وليبرمان للحكم
"
أما في الحالات النادرة التي ينشأ فيها خلاف مهما كان تكتيكيا، ولا تنجح إسرائيل بالتأثير على صنع القرار، فإنها تتعلم أن تتكيف مع الرغبة الأميركية محاولةً أن تخفِّف من مرارة الكأس بالمماطلة وبالتسويف والتقارير الكاذبة عن تنفيذ لم يتم، وعن معارضة الرأي العام الإسرائيلي، واحترام رأي المحاكم إذا كانت قضية مثل الاستيطان ومصادرة الأرض عالقة فيها.. وبغيرها من المعيقات التي تتذرع أميركا باحترامها في دولة ديمقراطية، فما بالك بـ"الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". ولكن في النهاية، إذا بقيت نهاية، وإذا أصرت أميركا، وقلما تصر، فإن إسرائيل تنفِّذ.

- تدير إسرائيل مفاوضات منفصلة مع الدول العربية والفلسطينيين على أساس تفسيرها هي للقرارات الدولية. والهدف هو اعتراف الفلسطينيين والدول العربية بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها والاتفاق على ترتيبات أمنية مشتركة. أما الثمن الذي تستعد إسرائيل لدفعه فهو إعادة أقل قدر ممكن من الأرض التي احتلت عام 1967 بحيث تشمل أكبر عدد ممكن من العرب، مقابل أكبر قدر ممكن من التطبيع.

فإسرائيل لا تقدم هذه "التنازلات" عن الأرض مقابل السلام، خاصة وأنه لا تدور حرب بين الدول العربية وإسرائيل، بل هنالك حالة حرب دون حرب في أفضل الحالات. إسرائيل مستعدة إذًا لما تسميه هي تنازلات إقليمية مقابل السلام والتطبيع والترتيبات الأمنية ضد أي شكل من أشكال المقاومة ومقابل الشراكة في المصالح والتعاون ضد كافة أنوع "التطرف".

ويكمن الفرق بين اليمين واليسار في الحكم في هذه النقطة في تقدير كل منهما لحجم "التنازلات" اللازمة كي يقبل العرب، وحجم التطبيع المتوقع من العرب. بالمجمل يتفق اليمين واليسار في إسرائيل على ضرورة استمرار ما يسمى بعملية السلام. ولا يعوِّلان على السلام ذاته في مسألة الأمن، بل يعتبران الأمن قضية منفصلة يجب استمرار الجهد الإسرائيلي بشأنها حتى في ظل عملية السلام.. وعلى شركاء إسرائيل العرب تحمل إحراجها لهم بحروبها ضد المقاومة أثناء وفي ظل "عملية السلام". (هذا إذا بقي من تحرجه، ولو مظهرا، أية عملية عسكرية ضد سوريا أو أي حرب تشنها إسرائيل على لبنان أو غزة).

وبغض النظر عما يقال في المعارك الانتخابية، ففي هذه الهوامش يقع الفرق بين حكومة برئاسة نتنياهو وحكومة برئاسة أولمرت. هل يمكن التعويل على هذا الفرق بتغيير الإستراتيجيات؟ الجواب هو لا. وذلك ليس فقط لضآلة الفوارق بين التيارات الواردة في الحسبان عند تشكيل حكومات في إسرائيل، بل أيضا لأنه لا توجد أصلا إستراتيجيات رسمية عربية غير عملية السلام. (يتخللها من حين لآخر تهديد فلسطيني بلهجة دراماتيكية أنه إذا لم تتوقف إسرائيل عن الاستيطان، أو إذا لم تتوقف عن القصف الوحشي للمدنيين، فسوف تتوقف عملية السلام أو تموت.. وفي كل مرة يرتعد صوت التهديد بموت عملية السلام أكثر ويزداد دراماتيكية، وفي كل مرة يتم توسل الولايات المتحدة للعودة إلى عملية السلام).

وإذا كان الناس يموتون وحقوقهم تنسى فإن عملية السلام حية لا تموت (أستغفر الله العظيم). ولا يستغربن أحد أن  لا ترتعد فرائص الناخب الإسرائيلي، ولا ترتج يده قبل التصويت لليبرمان وغيره إزاء إستراتيجية كهذه.

ليس السؤال ما يمكن توقعه من حكومة نتنياهو، بل السؤال حول الظرف العربي والدولي الذي تعمل في إطاره والذي يعيدها إلى الثوابت الراسخة منذ عقود. وإذا تبين بعد عام مثلا أن المهرج ليبرمان يشكل عقبة أمام مثل هذه العودة، فيمكن الاستغناء عنه وفسح المجال لحزب كاديما للعودة إلى الائتلاف بحجة إنقاذ عملية السلام. لنتذكر ذلك!!

ومن هنا فإن هامش التحرك واضح للغاية. كان يمكن الوقوع في منزلقات التقديرات والمضاربات لو وصل نتنياهو إلى السلطة مع ماكين في أميركا. عندها نتفهم (دون أن نوافق) أن يسمح العربي لخياله أن يأخذه إلى مغامرات. كذلك الأمر إلى حد بعيد لو وصل إلى السلطة كل من ليفني وأوباما في الوقت ذاته. أما التركيبة الحالية فتكفي لتحافظ على التوازن الموصوف أعلاه، وعلى الهوامش المشروحة أعلاه.

فبعد أخذ ورد تجري العودة إلى ما يسمى "عملية السلام". ويسبقها نقاش معهود مألوف ممل على الإطار، إطار المفاوضات. وعندما يقبل نتنياهو بأفكار أولمرت، المرفوضة فلسطينيا في حينه، فسيبدو الأمر إنجازا هاما لإدارة أوباما.
في هذه الأثناء يُوَجَّه الضغط للعرب الذين اشترطوا ردا إسرائيليا على مبادرة السلام العربية، ولم تهتز لهم قصبة عندما رفضتها إسرائيل كما هي وقبلت بها فقط أساسا للتفاوض. وعاد العرب يتمسكون بها بصلابة رغم الرفض الإسرائيلي يعضون على الإهانة، ويقبضون على المبادرة كالقابض على جمر الاعتدال. موقف نضالي حقيقي لقوى السلام العربية.

أما إذا جاءت مبادرة أميركية أن يغير العرب مبادرتهم، فيعدلوها بشكل "يعززها" و"يسوقها" لكي يصبح فرضها على إسرائيل ممكنا، فسوف تتدفق الأفكار الخلاقة عن تأجيل حق العودة. (أما كيف تُعَزَّز مبادرة بتعديلها لإرضاء الخصم فمتروك لبلاغة كتاب الأعمدة الناطقين باسم.. الذين سيبدؤون قريبا بالترويج). أما قضية القدس فسوف تكون ساحة الإبداع والتبديع والبديع في إيجاد المخارج والمداخل مثل رفع العلم الفلسطيني فيها مثلا دون أن تنسحب إسرائيل منها.. كما يطاول الإبداع التفريق بين حدود 67 وبين المساحة التي احتلت بحيث تسترجع المساحة دون الحدود.. هذا نقاش يطول. وسوف يطول حتى تبدأ إدارة أوباما بالتحضير للانتخابات الجديدة.

"
ليس السؤال ما يمكن توقعه من حكومة نتنياهو، بل السؤال حول الظرف العربي والدولي الذي تعمل في إطاره والذي يعيدها إلى الثوابت الراسخة منذ عقود. وإذا تبين بعد عام مثلا أن المهرج ليبرمان يشكل عقبة أمام مثل هذه العودة، فيمكن الاستغناء عنه وفسح المجال لحزب كاديما للعودة إلى الائتلاف بحجة إنقاذ عملية السلام. لنتذكر ذلك
"
كل هذا لا يهم إسرائيل كثيرا. ما يهمها هو استمرار الحصار لإضعاف المقاومة ودفعها للبحث عن اعتراف دولي بها بدلا عن قضيتها، في ظل تعهد بوقف إطلاق الصورايخ. وما يهمها هو استمرار بناء أجهزة أمنية جديدة لم يحارب أفرادها إسرائيل في مرحلة ما من حياتهم، ولا تعرف منظمة التحرير ولا فتح، بل تعرف الولاء لحكومة السلطة في رام الله فقط. وهذا أمر جار تنفيذه بروية ومثابرة بغض النظر عن التقدم في المفاوضات.
 
ويهمها استمرار البناء في القدس وحولها. وأخيرا وليس آخرا يهمها استمرار التعاون مع ما يسمى بمحور الاعتدال لخلق قواسم مشتركة ضد إيران.. بحيث، نصل (ويا للهول!!) إلى زمن تضغط فيه كل من إسرائيل والأنظمة العربية الحليفة سوية على الولايات المتحدة لكي لا تذهب الأخيرة بعيدا في إرضاء إيران في الحوار، وأن تبقي الخيار العسكري قائما.

لم يتوقع البعض ربما أن يستقبل العرب نتنياهو وحكومة اليمين في الحكم بتعديلات على مبادرة السلام العربية "تسلح الولايات المتحدة بوسائل للضغط عليه". فقد كان المتوقع التمسك العربي بشروط الحل الدائم، بل واتخاذ خطوات متشددة تقابل تحدي العالم العربي بعد حروب أولمرت بإيصال نتنياهو وليبرمان للحكم. فقد أُخِذَ بعضُنا بالتهويل العربي من قدومه ومن خطر اليمين على عملية السلام، وكأن الأخيرة كانت مزدهرة وفي طريقها إلى تطبيق حل دائم. ولكن هذا التهويل العربي لم يتجاوز التأكيد على عملية السلام فهي مهمة جدا للأنظمة.

وموقف حكومة نتنياهو المتشدد من إيران يعتبر عند بعض الأنظمة العربية بادرة مشجعة ولا تفوَّت للتعاون وحتى للضغط المشترك على أميركا، ولكنه لا يشكل قاعدة مشتركة كافية للعمل من أجل استعادة ثقة أميركا بدور هذه الأنظمة، من أجل ذلك لا بد من عودة محرك عملية السلام للعمل.

صرنا نسمع عن أفكار تشجع على ممارسة أشكال من التطبيع مع إسرائيل قد تجد إعجابا لدى رأيها العام وتؤكد جدية العرب في السلام. وسبق أن أكدنا في هذا الموقع رأينا، أن من يتمسك بمبادرة السلام بعقلية المهزوم حين يرفضها
الخصم لا بد أن يعود فيعدلها لتجد لديه قبولا.